أسامة داود يكتب: بين الضبطية القضائية والجباية… مواطنون تحت مقصلة الكهرباء (9)
حين يصبح العداد السليم دليلاً للإدانة!
كيف تحولت الضبطية القضائية فى الكهرباء من أداة لحماية المال العام إلى كابوس يطارد بعض المشتركين؟
لم تعد الأزمة فى قطاع الكهرباء مجرد شكاوى متفرقة من مواطنين أو أصحاب مصانع ومحال تجارية، بل أصبحت - فى بعض الوقائع - نمطًا يثير القلق بشأن استخدام سلطات الضبطية القضائية بصورة تفتح الباب أمام تجاوزات خطيرة، تبدأ بمحاضر تقديرات جزافية، وتنتهى أحيانًا بأحكام حبس وغرامات بمئات الآلاف من الجنيهات، حتى فى الحالات التى تثبت فيها التقارير الفنية سلامة العدادات وعدم وجود أى تلاعب.
محضر بوجود شك فى سلامة العداد والذى تم ارساله للمعمل للكشف عن وجود تلاعب من عدمه.. مع تغريم المشترك مبلغ ٩٦٠ ألف ٤٣٤ جنيه وقبل ظهور نتيجة الفحص!
تقرير يكشف سلامة العداد وعدم وجود أى تلاعب.. فعلى أى أساس تم تغريم المشترك ما يقرب من مليون جنيه؟
وفى الوقت الذى لا تزال فيه أزمة التسعيرة الجبرية غير القانونية - والتى كشفنا عنها فى بداية حملتنا الصحفية - المفروضة على مستخدمى العدادات الكودية تتفاعل داخل البرلمان وأروقة القضاء، باعتبارها وسيلة ضغط غير دستورية لإجبار المواطنين على التصالح فى مخالفات البناء رغم أن وزارة الكهرباء ليست طرفًا فى تلك المخالفات من الأصل، تظهر وقائع أخرى أكثر خطورة تتعلق بمحاضر سرقة تيار يتم تحريرها رغم سلامة العدادات رسميًا.
القصة التى بين أيدينا تكشف مشهدًا بالغ الخطورة، وتطرح تساؤلات لا تخص مواطنًا واحدًا فقط، بل تمس الثقة فى منظومة يفترض أنها تحمى المواطن قبل أن تحمى الشبكة.
المواطن أحمد السيد السيد قطب سليمان، صاحب ورشة لتصنيع ملح المزارع بمنطقة أبو زعبل، فوجئ فى فبراير 2025 بحملة من مباحث الكهرباء وشركة الكهرباء على الورشة أثناء غيابه ولم تجد أى نوع من انواع المخالفات.
عادت الحملة مرة اخرى - بحسب الشكوى والمستندات - وقامت برفع العداد بدعوى الشك فى وجود تلاعب، وتم تحرير محضر تضمن أحمالًا كهربائية يقول صاحب الورشة إنها غير موجودة أصلًا بالمكان. مؤكدًا أن تصوير الفيديو الذى تم داخل المصنع يثبت ذلك بوضوح.
المثير أن كم الأحمال التى تضمنها المحضر ترتب عليها تقدير غرامات قاربت المليون جنيه، رغم أن الواقعة كلها كانت ما تزال محل اشتباه لم يحسمه الفحص الفنى بعد.
وبعد أيام، جاء تقرير الفحص المعملى للعداد صادمًا.. ولكن ليس للمواطن، بل للاتهامات نفسها.
التقرير الرسمى الصادر من المعمل المختص أكد أن.. العداد سليم، والأختام سليمة، ولا يوجد أى تلاعب.
منطقيًا، كان يفترض أن تنتهى الأزمة هنا.
لكن ما حدث - وفقًا للأوراق - يطرح سؤالًا أكبر من الواقعة نفسها: كيف يستمر اتهام مستثمر بسرقة التيار بعد ثبوت سلامة العداد رسميًا؟
فبعد صدور التقرير بأيام، تم تحرير محضر وإحالته للنيابة، لتتحول الواقعة إلى جنحة استيلاء على التيار الكهربائى، ويصدر حكم غيابى بالحبس سنة مع الشغل وكفالة ومصاريف 2000 جنيه، رغم أن تقرير المعمل - وهو أصل الواقعة - نفى وجود التلاعب من الأساس.
الأغرب أن التظلم الذى تقدم به المواطن لشركة الكهرباء أسفر عن إرسال لجنة معاينة جديدة، انتهت - بحسب ما ورد بالشكوى - إلى أن الأحمال المذكورة بالمحضر غير صحيحة ومبالغ فيها، وأن المعدات الموجودة على الطبيعة لا تطابق ما ورد بالمحضر الأصلى.
هنا يصبح السؤال أكثر خطورة: إذا كان العداد سليمًا.
وإذا كانت الأحمال محل خلاف وغير مطابقة للطبيعة.. فعلى أى أساس استمرت الاتهامات؟
ومن يتحمل مسؤولية الأضرار التى لحقت بالمواطن؟
ومن يعوضه عن الحبس والتشهير وتعطيل النشاط؟
لكن القصة لا تنتهى هنا.
والأخطر - إذا صحت تلك الوقائع - أن بعض المسؤولين تعاملوا مع الشكوى باعتبارها تمردًا من المواطن لا استغاثة تستوجب التحقيق، لتتحول رحلة التظلم إلى دائرة مغلقة من المماطلة والتجاهل، بينما يظل المواطن مهددًا بالحبس ومطالبًا بغرامات ضخمة رغم سلامة العداد.
القضية هنا لا تتعلق فقط بمشترك وصاحب مصنع.
بل تتعلق بسؤال أكبر، وهو هل أصبحت بعض محاضر الكهرباء وسيلة جباية خارج إطار الضمانات القانونية والفنية؟
وهل يجوز أن يتحول مجرد الاشتباه إلى أداة لتقديرات مالية جزافية، ثم إلى أحكام جنائية، حتى بعد سقوط أصل الاتهام فنيًا؟
الأخطر أن تلك الوقائع تأتى فى وقت تتزايد فيه شكاوى المواطنين من، المغالاة فى تقدير محاضر سرقة التيار.
وتجاهل تقارير الفحص أحيانًا، والتوسع فى استخدام الضبطية القضائية، بالاضافة الى الضغط على المشتركين عبر فواتير وتقديرات مبالغ فيها.
بينما تتوج الكهرباء تسلطها وتجاوزها للدستور والقانون بإستخدام العدادات الكودية كأداة عقابية بفرض أعلى شريحة سعرية بصورة جماعية.
وهو الملف الذى أثار بالفعل حالة غضب واسعة، ودفع عددًا من أعضاء مجلس النواب إلى تقديم طلبات إحاطة واستجوابات بشأنه، خاصة مع تصاعد لجوء المواطنين إلى القضاء للطعن على تلك الممارسات التى يعتبرها كثيرون مخالفة لمبادئ العدالة والدستور.
فإذا كانت الدولة تحارب سرقة التيار بالفعل - وهو أمر واجب لحماية المال العام - فإن حماية الأبرياء من التعسف واجب لا يقل أهمية.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث فى أى منظومة رقابية، أن يشعر المواطن بأن إثبات براءته لم يعد كافيًا لإنهاء الاتهام.
وعندما يصبح العداد السليم مجرد تفصيل لا يوقف محضرًا ولا يمنع حكمًا.. فإن الأزمة هنا لم تعد أزمة مشترك مع شركة كهرباء، بل أزمة ثقة تحتاج إلى مراجعة ومحاسبة قبل أن تتحول الضبطية القضائية من أداة لحماية القانون إلى سيف معلق فوق رؤوس المواطنين.
